خليل الصفدي

21

نكت الهميان في نكت العميان

قلت : هذا أيضا مفرع على أن ابن أم مكتوم كان يعلم أن صناديد قريش كانوا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أبدينا الاحتمال فاندفع . قال : الوجه الثالث : أنه تعالى قال : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ الحجرات : 4 ] ، فهذا النداء الذي صار كالصارف للكفار عن قبول الإيمان ، وكالقاطع على الرسول أعظم ، وكان أولى أن يكون ذنبا ومعصية ، وأن الذي فعله الرسول كان واجبا . قلت : ليس قول ابن أم مكتوم : يا رسول اللّه ، علمني مما علمك اللّه ، كالذي ينادونه من وراء الحجرات : يا محمد اخرج إلينا ، فإن الرسول لو ألقى إليه ذلك الوقت شيئا مما علمه اللّه لكان خيرا لمن يسمعه . قال : السؤال الثاني : أنه تعالى عاتبه على مجرد كونه عبس في وجهه ، ويكون ذلك تعظيما عظيما لابن أم مكتوم ، وكيف يليق بمثل هذا التعظيم أن يذكر باسم الأعمى ، وإذا ذكر الإنسان بهذا الوصف اقتضى ذلك تحقيره ؟ قال : السؤال الثالث : الظاهر أنه كان صلى اللّه عليه وسلم مأذونا له أن يعامل أصحابه على حسب ما يراه مصلحة ، وكان كثيرا ما يؤدب أصحابه ويزجرهم عن أشياء ، وكيف لا يكون ذلك وهو إنما بعث ليؤدبهم ويعلمهم محاسن الآداب ، وإذا كان كذلك كان التعبيس داخلا في تأديب أصحابه ، فكيف وقعت المعاتبة ؟ قال رحمه اللّه تعالى : والجواب عن السؤال الأول من وجهين : الأول : أن الأمر وإن كان على أنه تكريم ، إلا أن ظاهر الواقعة يوهم تقديم الأغنياء على الفقراء ، وانكسار قلوب الفقراء ، فلهذا خلصت المعاتبة ، ونظيره قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ [ الأنعام : 52 ] . قلت : ما هو من ظاهر الواقعة ، بل هو من صريح القرآن ؛ لقوله تعالى : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى [ عبس : 5 ، 6 ] . قال : الوجه الثاني : لعل هذا العتاب ما وقع على ما صدر من الرسول من الفعل الظاهر ، بل على ما كان منه في قلبه ، وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم كان قد مال قلبه إليهم بسبب قرابتهم ، وكان ينفر طبعه عن الأعمى بسبب عماه ، وعدم قرابته ، وقلة شرفه ، فلما وقع